أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
136
نثر الدر في المحاضرات
وقال له عبيد اللّه بن يحيى بن سليمان : اعذرني ، فإني مشغول . فقال : إذا فرغت لم أحتج إليك . وسلّم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك ليستأديه مالا ، فتلف في المطالبة ؛ فلقي بعض الرؤساء أبا العيناء ، وقال له : ما عندك من خبر نجاح ؟ قال : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : الآية 15 ] ؛ فبلغت كلمته موسى بن عبد الملك ؛ فلقيه فقال : أبي تولع ؟ واللّه لأقوّمنّك . فقال : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [ القصص : الآية 19 ] . وقال يوما لابن مكرّم : ألست عفيفا ؟ قال : بلى ، ولكنّك عفيف الفرج زاني الحرم . فقال : إنما ذاك منذ تزوجت بأمك . وغداه ابن مكرّم ؛ فقدم إليه عراقا ، فلما جسّه قال : قدركم هذه طبخت بالشّطرنج . وقدّم إليه يوما قدرا فوجدها كثيرة العظام ؛ فقال : هذه قدر أم قبر ؟ . وأخبر أنّ ابنه أعتق عبده ؛ فقال : إن جاز له هذا فليطلق على أمه الزانية . وقال له رجل من بني هاشم : بلغني أنك بغّاء . قال : ولم أنكرت ذاك مع قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مولى القوم منهم » ؟ . قال : إنك دعيّ فينا . قال : بغائي صحّح نسبي فيكم . وسأل الجاحظ كتابا إلى محمد بن عبد الملك في شفاعة لصاحب له ؛ فكتب الكتاب ، وناوله الرجل ، فعاد به إلى أبي العيناء ، وقال : قد أسعف . قال : فهل قرأته ؟ قال : لا ؛ لأنه مختوم . قال : ويحك ، فضّ طينة أولى من حمل ظنّة ، لا يكون صحيفة المتلمّس ؛ ففضّ الكتاب ؛ فإذا فيه : موصل كتابي سألني فيه أبو العيناء ، وقد عرفت سفهه وبذاء لسانه ، وما أراه لمعروفك أهلا ، فإن أحسنت إليه فلا تحسبه عليّ يدا ، وإن لم تحسن لم أعتده عليك ذنبا والسلام . فركب أبو العيناء إلى الجاحظ . وقال له : قد قرأت الكتاب يا أبا عثمان ، فخجل الجاحظ ، وقال : يا أبا العيناء ، هذه علامتي فيمن أعتني به . قال : فإذا بلغك أنّ صاحبي قد شتمك فاعلم أنه علامته فيمن شكر معروفه .